الثلاثاء، 10 يونيو، 2014


عـدن مدينة كونية)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمــــد محمـــود الســـلّامي .. صحيفة الامناء .. الاثنين 9 يونيو 2014م



** خصني صديقي الباحث والمترجم العدني المشهور .. الأستاذ بلال غلام حسين في مقدمة كتابة "عدن تاريخ وطن .. وحكاية إنسان " الطبعة الثانية خصني بشكر خاص وعظيم الامتنان لما قدمته من صور وصفها هو بالصور التاريخية النادرة التي حوتها صفحات كتابة الثمين والقيّم ، ولم اطلب منه بشكل مباشر أو غير مباشر أن يذكر اسمي في كتابه .. لكن بلال كعادته دائماً وفياً مع أصدقائه ومحبيه فقد شكر كل من وقف إلى جانبه ودعمه خلال فترة إعداده للكتاب . لم ابخل على بلال بالصور لأنني أيقنت منذ قراءتي لكتابة الأول بأنه يجمع ويعد ويوثق لتاريخ عدن .. وهذه مهمة جسيمة وسامية في نفس الوقت ستعود بالمنفعة على كل الأجيال الذين لا يعرفون الشيء الكثير عن تاريخ هذه المدينة الساحرة ، التي تعاني ألان الفقر والتهميش والنهب .. المدينة التي يتغنى بها الجميع ومنهم لا يعمل لها شئ يذكر بل أن البعض يسئ إليها أيما إساءة .. والأخطر من ذلك كله هو السعي الخبيث إلى طمس هوية "عدن" وتغيير  جغرافيتها البشرية لتكون تابعة لهذه المنطقة أو تلك . سيأتي زمنٌ تستفيق نُضرتها فيه ويعاد لها شبابها الريّان . عدن لن تكون لأحد !! لا لهم ولا لكم .. هي هكذا بطبعها  مدينة كونية  متعددة الأجناس والثقافات والأعراق ، ومن أراد غير هذا فهي تنبذه بعيداً ولا يستطيع العيش فيها . أعود مرة أخرى إلى قضية الصور القديمة لعدن ومناطق الجنوب بما فيها حضرموت .. أقول قضية لأنها سببت لي الكثير من المتاعب وأحيانا المشاكل بسبب رفضي أن تكون ملك لأحد مهما بلغ به الحد من التحايل أو الدهاء . فهذه الصور مرتبطة بهوايتي في الرسم والتصوير وتجميع الصور القديمة وترميمها منذ زمن طويل ، جمعتها من مصادر متعددة .. أحيانا عندما التقطُ خيط رفيع بتلهف ، واشعر انه سيوصلني إلى صورة أنا ابحث عنها ، لا أتردد في بذل جهد كبير في الصول إليها أو اخسر المال في سبيل ذلك .. لكنني اشعر بفرح وسرور وغبطة عظيمة عندما احصل عليها وانكسر عندما يخيب ظني . كان ولازال عندي مبدأ وهو عدم أعطاء أي صورة لأي احد لا يستطيع نشرها وتعميمها على الناس للاستفادة منها مما يضمن حفظها وتوثيقها للتاريخ . قبل أربع سنوات وجدت في الفيس بوك ضالتي المنشودة في نشر الصور على الملأ والقدرة على المشاركة مع الآخرين والتواصل معهم ، فقمت بإنشاء 35 البوم صور قديمة (ابيض واسود)علي صفحتي . مئات الصور للمدينة الكونية "عدن" ومناطق جنوبية كثيرة في مقدمتها لحج .. ومواضيع أخرى عن جيش الاتحاد  وشخصيات من عهود ما قبل 1967م ومواضيع عن الفن والإعلام والرياضة .. معظم الصور التي نشرتها كانت نادرة وواضحة وقيمة للغاية .. لم يدم فرحي بهذا الانجاز طويلا فقد تحول في مدة قصيرة إلى حسرة وألم  بعدما تهافت على الألبومات قراصنة الصور ونسخوها وختموها بأسمائهم  وأعادوا نشرها في مواقع عديدة للتعبير عن حبهم لعدن والجنوب . لم أضع اسمي على تلك الصور لأنني أردتُ ان يستخدمها الناس دون أنانية أو تملك لكن للأسف هذا لم يحصل  . وجدت في كتاب "عدن تاريخ وطن .. وحكاية إنسان " فرصة مناسبة لنشر تلك الصور وتوثيقها في هذا الكتاب القيم  لتكون في متناول كل شخص يريد ان يعرف الكثير عدن ، لا يكفي المجاهرة و(المناطحة) بحب عدن فقط ! علينا تقديم كل ما هو مفيد وايجابي لمدينتنا كلاً في مجاله.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

الثلاثاء، 20 مايو، 2014

الإرهاب .. والإعلام الرسمي .. وطُلبة الله !!

أحمد محمود السلّامي .. صحيفة الامناء 15 مايو 2014م

  ** تخيل شخص نائم وعندما يستيقظ لدقائق معدودة يتكلم كلام غير مفهوم وقديم ويستخدم مفردات عفا عليها الزمن ويرجع يغط في نوم العسل فاتح يده لما سخره الله من رزق . هذه الصورة الكاريكاتورية تجسد حال إعلامنا الرسمي المريض الذي لا يجد إلا المديح والتلميع من خلال الكلام الإنشائي الرنان الطنان الذي يقوله معظم المذيعين والضيوف الغير متخصصين في البرامج الحواري الذي لا يعكس إلا ميولهم الفردية الأنانية . الإعلام لاعب أساسي  ضد الإرهاب بل أن  العمليات الإرهابية المدروسة هي في مجملها من اجل بث الرعب عبر وسائل الإعلام وخلق أجواء الارتباك والفوضى تتيح انتشار الشائعات المغرضة ، التي يستخدمها الإرهابيون ضد الأنظمة السياسية المحلية بهدف بث الرعب العام  والخوف بين المواطنين حتى يشعروا  بعجز الأجهزة الأمنية عن توفير الأمن والسكينة ، وهي الغاية الأساسية للإرهاب التي يراد منها دفع الرأي العام إلى الاقتناع بان هذه الجماعة أو تلك لديها انجازات مخيفة وجبارة لا تقهر . إذن الحرب الإعلامية هي الأخطر في مواجهة الإرهاب لعدة اعتبارات أهمها انه (الإرهاب) يتسلّح بالإعلام للترويج لأهدافه ومراميه !! الجماعات الإرهابية تحرص في معظم الأحيان على توثيق عملياتها الإرهابية بدء من نشر الفيديو الذي يظهر الانتحاري وهو يتوعد .. والباقي تقوم به أجهزة الإعلام الرسمية حتى تكتمل الصورة الوحشية والمرعبة في نفوس الناس فتقوم فتظهر الدمار والخراب والقتلى والخسائر الجائرة.. بعد ذلك  ينفرد إعلامنا الرسمي بنشر أخبار وبيانات التنديد والوعيد لمدة ثلاثة أيام أو أكثر حسب الحدث ويتوقف ، ويأتي بعدها دور المقالات السياسية الإنشائية و البرامج الحوارية التلفزيونية بضيوف هم أنفسهم من نشاهدهم منذ  أزمة 2011م مروراً بمؤتمر الحوار وكل المحطات الأخرى  وكأن البلاد لا يوجد فيها أشخاص غيرهم بل أن بعضهم لازال يظهر في الشاشات بنفس البدلات التي كان يظهر بها منذ ثلاث سنوات ويردد نفس الكلام المنمق مع تغيير الأسماء  . أن هذا التعاطي الإعلامي الرسمي الهابط مع قضايا مهمة كقضية الإرهاب بكل تأكيد سيفرز حالة من الشك  و اللا مصداقية  تجاه وسائل الإعلام الرسمية  المختلفة وهذا ما يجعلها أجهزة إعلامية هشة وغير مؤثرة  . للأسف الشديد القيادات الإعلامية تتعامل مع القضايا الهامة بشكل روتيني وتقليدي للغاية ولا تكلف نفسها مثلاً بقراءة توجيهات رئيس الجمهورية الصادرة إليها بخصوص فعالية معينة فيقوم اي احد من مكتب الوزير بكتابة مذكرة يوقعها الوزير إلى الوكيل او مدير عام المؤسسة المعنية يقول فيها  : نرفق لكم نسخة من رسالة فخامة رئيس الجمهورية الخاصة بكذا وكذا نرجو الاطلاع وتوجيه الأجهزة بتنفيذ ما جاء بالرسالة ، وهو بدورة يحرر رسالة إلى رؤوسا الأجهزة والقطاعات يقول فيها: نرفق لكم نسخة من رسالة الأخ الوزير ونسخة من رسالة فخامة رئيس الجمهورية الخاصة بكذا وكذا نرجو الاطلاع وتوجيه الإدارات المعنية بتنفيذ ما جاء . وهكذا تمر التوجيهات إلى ان تصل إلى المحرر او معد البرامج او المخرج الغلبان الذي مطلوب منه عمل المستحيل في ظرف أيام قليلة وبسرعة ! في الوقت الذي ينام خلف المكاتب الوثيرة عشرات المستشارين والمساعدين والمدراء ونوابهم ينتظرون المبالغ المخصصة لهذا التكليف او ذاك .. وكلها وطُلبة الله !!ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الرئيس هادي وثعابين اليمن 

أحمد  محمود السلّامي .. 
الامناء 13 مايو 2014م




  **  في مقابلة تلفزيونية أجراها معه تلفزيون عدن (القناة الثانية حينها) في مقر إقامته بمدينة عمّان بالأردن في فبراير 1994م 
وصف الرئيس السابق علي ناصر محمد  الذي كان يحضر حفل توقيع وثيقة العهد والاتفاق وصف السُلطة  بأنها كالرقص 
على رؤوس الثعابين . الرئيس السابق علي عبدالله صالح عندما سألته مذيعة قناة العربية منتهى الرمحي في مقابلة  عام 
2011م عن هذه المقولة قال "صحيح لكن يعتمد على الراقص ". والراقص هنا يُفهم على انه ذلك الحاوي الماهر الذي يلعب 
بالبيضة والحجم ويروّض الثعابين ويرقص على رؤوسا .. لكنه يظل في وضع خطر ويزداد خطورة  دائماً مادامت هذه 
الثعابين تعيش وتتكاثر وتنتشر على  طول البلاد وعرضها . الرئيس عبدربه منصور هادي في وضع لا يحسد عليه لم 
يختاره لنفسه ولا سعى له كما سعي الآخرون هو لا يجيد الرقص مثل سلفه .. انه محارب ولاعب ماهر في ساحات القتال 
والبطولات .. وهو الفدائي الشجاع الذي يناضل من اجل الحق والحرية والكرامة الشرف .  في لقاءه مع قيادات السلطة 
القضائية في مارس 2012م قال هادي  « لقد ساقتني الأقدار إلى تحمل هذه المسئولية ولم يكن لدى ميول لها أو ابحث عليها 
ولكني كنت أود الإصلاح بين المختلفين بطريقة مخلصة من أجل تجنب الوطن الحرب والويلات والانقسام ليس إلا». 
كلمات صادقة قالها الرجل فهو يعاني أيما معاناة من تلك الثعابين وأعمالها التي لا توصف ، ساقته الأقدار  إلى هذا المنصب  
وتحمل المسؤولية مكرهاً ..توافق عليه الجميع بمختلف مآربهم وأهدافهم ونواياهم .. هادي وجد نفسه مسئولا عن دولة 
تحتضر قضيّ على مفاصلها ومواردها وجيشها وأمنها ومطلوب منه أن يخرجها من وضعها المأساوي وينقذها من  شفاه 
الهاوية .. نجح الرجل إلى حدٍ كبير في وقف النزيف والتدهور والجلوس والتحاور .. وحاول بعضهم أن ينقض عليه عندما 
وجدوه لا يخدم مصالحهم الخاصة .. الثعابين اليمنية لم تعد ثعابين تقليدية برأس واحد بل أصبحت كبيرة تجمع بين صفات 
الثعابين والتنانين والإخطبوطات والتماسيح والزواحف الفتاكة الأخرى .. فالفساد أصبح إخطبوطا محترفاً يشفط موارد 
الدولة  اولاً بأول دون حياء أو حشمة.. والإرهاب تنيناً يحرق الأخضر واليابس دون رحمة ولا شفقة ، اما المتنفذون 
والمتخلفين من رجال القبائل فأصبحوا تماسيح شرهة تنقض على كل من يقف أمامها وتلتهمه بطريقة بشعة ومقززة ناهيك 
عن ثعابين الفقر والتخلف والجهل والمثقفين الانتهازيين. هذه الثعابين أو الزواحف الشرسة لا ينفع معها الرقص أو التحاور 
ابداً ابداً .. فهي لا تلجأ إلى الهدنة إلا لتغيير جلدها ومن ثم مواصلة نشاطها المسعور . وهي تدرك أن اي تفاهم أو توقف 
يعتبر مسمار في نعشها . المحارب هادي ومعه كل الشرفاء يدركون جيداً أن الحل الوحيد هو القضاء النهائي على تلك 
الثعابين بإخراجها اولاً من جحورها و تحصيناتها وشل حركتها من ثم دك رؤوسها واحداً تلو الأخر .. المهمة صعبة ومعقدة 
جداً .. بل إنها أحيانا تبدو مستحيلة .. ولكنها لن تكون مستحيلة إذا اصطف كل الشرفاء إلى جانب الرئيس المنصور هادي 
ويحاربون معه في خندق واحد دون هوادة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ليس سراً يا رفيقي أن أيامي قليلة!

أحمد محمود السلّامي .. صحيفة الامناء الثلاثاء 7 مايو 2014م



  ** مَنْ منّا لا يحبُ الحياة ؟!! طبعاً كلنا نُحبها نتشبَّث بها رغم كل الشقاء والكد والتعب والمعاناة نحب الحياة .. لكل شخص في هذه الدنيا طريقته وأسلوبه الخاص في العيش والاستمتاع بطعم الحياة وملذاتها .. حتى الحيوانات والحشرات والأزهار أيضا لها أسلوبها الخاص في الحياة ولها فلسفتها في المقاومة من اجل البقاء على قيد الحياة .. الإنسان في بعض الأحيان يستنبط الحِكم والعِبر من حياة الكائنات الأخرى وفطرتها في الحياة . كل شئ من حولنا بحلوة ومره يمنحنا الأمل والتفاؤل على العيش بسلام في هذه الدنيا وننعم بخيرات الله وننسجُ الأحلام الوردية الجميلة رغم معرفتنا المسبقة بأننا زائلون  .. الحياة موجودة في القلب وفي العين وفي الشفاه .. في الجباة السمر وفي السواعد العارية التي تلفحها أشعت الشمس في السهول والجبال ومياه البحر وفي  أوراق الشجر .. في كل شئٍ حياة .. وفي كل شئ كُتبت قصائد وأشعار أبهجتنا وأطربتنا على مر العصور وخاطبت الوجدان والمشاعر  وحـملت بين مفرداتها معاني الأمل والتفاؤل والإقبال على الحياة .. كثيرون منا يتذكرون بعض تلك الإبداعات الشعرية والأدبية والفنية الجميلة وقد يحفظونها عن ظهر قلب ويرددونها من وقت لآخر  . أول قصيدة أو أغنية جعلتني أعي فلسفة وتهذيب الحياة منذ كنت صغيراً ومازلت إلى اليوم اسمعها وارددها بكل شغف وحب  رغم انسياب الأيام ونزيف العمر كانت أغنية (سوف أحيا) للسيدة فيروز  أنها إبداع الشعر وإبداع اللحن وإبداع الصوت ، كتبَ كلماتها الشاعر الغنائي المصري الراحل مرسي جميل عزيز الذي غرس في أشعاره دعوته للحياة والحب والأمل والتفاؤل .. وجسّدها لحناً وموسيقى على مقام الرست الأخوان رحباني عام 1955م. ثلاثية جمعت المعنى الجميل واللحن الشجي والصوت الملائكي .. كنت اسمعها من إذاعة عدن ومن ثم شاهدت فيروز وهي تشدوا بها في التلفزيون الأبيض والأسود في تصوير بديع ورائع يشدك بلقطاته وصدق تعابير شخوصه . استطاع الشاعر في قصيدته أن يقنعنا بالإصرار على الحياة والتمسك بها من خلال تساؤله (لِمَ لا أحيا )  وضرب لنا مثال رائع في معرفة سر الحياة من الأزهار التي عمرها يوم وتحياه كاملاً ولا تضيع وقتاً في أمور أخرى ( إن أردت السر فاسأل عنه أزهار الخميلة ... عـمرها يوم وتحـــــيا اليوم حتى منتهـاه ) لماذا نحن لا نأخذ الحِكمة من الزهور ونعرف سرها ونعيش أيامنا والتي وصفها الشاعر بأنها قليلة ولكنها بسمات طويلة ؟ لماذا كلما تقدم بنا العمر وشاخت هممنا نستسلم لليأس والقنوط ونقعد ننتظر الموت في كل لحظة وحين ؟  لِمَ لا نحيا ما تبقى من عمرنا المجهول .. هناك أيام ينبغي أن نعيشها, وأعمال لابد من إنجازها ,ونجاحات لابد أن نحققها .. ( إن نـور الله في القلـــــب وهـذا ما أراه) .
(العبارات بين الأقواس كلمات من قصيدة سوف احيا )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


صديقي دانتي وسيفُ العرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  أحمد محمود السلّامي .. الاحد 4 مايو 2014م



في نهاية سبعينيات القرن الماضي التحقت بالدراسة في جامعة الصداقة بمدينة موسكو وكانت هذه الجامعة تتبع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي وطلابها من مختلف دول العالم من إفريقيا والهند الصينية أمريكا اللاتينية والدول العربية ، طلاب من دول كنا نسمع بها لأول مرة مثل سيراليون وتوجو و الإكوادور و الهندوراس ، خليط من مختلف أجناس المعمورة ، كانت جامعة الصداقة تختلف عن سواها من الجامعات الروسية وبلدان الاتحاد السوفيتي من كل النواحي ، فمثلاً كان لا يسمح لاثنين طلاب من بلد واحد أو يتحدثون لغة واحدة السكن في غرفة واحدة ولابد أن يكون في كل غرفة طالب روسي هو المسئول عن الغرفة , كان حظي في السكن في سنة أولى جامعة مع طالب يكبرنا في السن من بيلاروسيا وكان يأتي إلى الغرفة احياناً نتيجة لانشغالاته الحزبية ، اما الثاني فكان "دانتي"  بيروفي  من أمريكا اللاتينية شاب لطيف ومجتهد ، كانت علاقتنا رسمية جداً في البداية .. كنت إلا حظه في المساء يأتي متأخراً وينام بكل هدوء وعندما كنت اصحي في الليل وأقوم لشرب الماء كان يستيقظ  وفي الصباح يستيقظ قبلي ويغادر إلى الكلية وهكذا مرت الأيام إلى أن جاء شتاء موسكو القارس وانخفضت درجة الحرارة إلى دون الصفر وحلت بنا كآبة الشتاء .. أصيب دانتي بنزلة برد الزمته الفراش .. ذات يوم رجعت من الكلية إلى غرفتي ووجدته مريضاً ومحموماً ومرعوباً  سألته ماذا بك ؟ أشار لي إلى حنجرته .. طيب! هل أكلت حاجة من الصبح  ؟ قال مش ضروري .. أحضرت له حليب ساخن وتوددت إليه إلى أن شربه وبعدها أحضرت له شاي بالليمون . في العصر أخذته إلى العيادة وكان يرتعد من الخوف وكأنني أسوقه إلى ساحة الإعدام .. عدت به إلى الغرفة بعد أن اخذ حقنة خافضة للحرارة والأدوية الأزمة ورحت ابحث عن أصدقاءه لأخبرهم بمرضه .. ثلاث أيام مرت وأنا أرعاه أقدم له الأكل واجلب له ما يحتاج من السوق . شفي دانتي .. تغير! بدأ يبتسم لي .. وصار لطيفاً جداً تغيرت مواعيد  مجيئه وأسلوب تعامله معي وأصبحنا نتحدث في كل المواضيع  .. وصارحني بأنه عندما عرف بأنني عربي  ذهب فوراً إلى المسئول على السكن وطلب كتابياً نقله إلى غرفة أخرى  ولم يستجاب لطلبة حينها. وسألته عن سبب طلبه فقال لي : "إن الذي نعرفه عن العرب أنهم يعيشون في الصحراء ويقتلون بعضهم بعضاً بالسيف ولا يتوانون عن قتل أي شخص أو ذبحه ولهذا كنت خائف منك وخاصة عندما أصريت على ان تأخذني إلى العيادة " وواصل مقهقهاً : كنت أقول أكيد بياخذني  إلى الغابة المجاورة ويذبحني هناك " . اندهشت كثيراً من هذه الصورة المطبوعة في أذهان الكثير من الأجانب في ذلك 
الوقت وتناقشت معه كثيراً لأغير مفهومه حول العرب   ..  ألان تغيرت الصورة !! من الصحراء والسيف إلى الرشاش والحزام الناسف .. بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م  الصقوا بنا كلنا تهمة الإرهاب .. وأصبح العربي والمسلم في كل بلدان الله تحت الشبهات والمراقبة . بل أن هذه التهمة أصبحت تؤرق مضاجعنا وتعكر صفوف راحتنا وأمننا . بدون شك بعض العرب لهم إسهام واضح لتشويه صورتنا أمام العالم ، زمان حصروا الشخصية العربية في البدوي الذي يعيش هو وسيفه وناقته في الفيافي الرحاب من خلال قصص روجت على أساس إنها تراث يُفتخر به  . أما اليوم فالعربي هو الإرهابي الذي يُقتِل بلا رحمة ولا شفقة دون أي وازع يذكر . متى سيُحسِن العرب صورتهم وسمعتهم العالمية ويكون لهم شأن مهم بين الدول العالم كونهم يمتلكون ثلثي إنتاج العالم من النفط، واحتياطي من البترول يكفي العالم 1500 سنة قادمة . ترى ماذا سيفعل العرب خلال هذه السنوات الطويلة القادمة هل ؟!!  
.............
ذكرى فاجعة طائرة الدبلوماسيين 30 ابريل 1973م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد محمود السلّامي .. عدن الغد : 30 ابريل 2014م




* 41 سنة ولم تكشف نتائج التحقيق

حتى وان لم يكن هناك تحقيق فني واضح حول انفجار أو تفجير الطائرة DC3 (الداكوتا) التي عرفت بطائرة الدبلوماسيين كان لابد أن تظهر نتائج التحقيق الذي قامت بهِ اللجنة المكلفة آنذاك ليس لنبش الماضي وإذكاء الفتن كما يتصور البعض وإنما  لغرض استخلاص الدروس والعبر من الماضي .. لان الحديث عن تلك الطائرة يملأ المواقع والمنتديات الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي  فمنهم من يكتب لغرض الشتم والتجريح .. وهذا يدعي انه يعرف كل شئ ..وهذا يُنظِر ويفند الحكايات .. كل هذه العملية تؤدي إلى إضافة روايات وأقوال ملفقة وغير صحيحة ستؤدي إلى طمس الحقائق . اليوم وبعد مرور 41 سنه المطلوب إماطة اللثام عن أسرار الحادث والاعتذار لأُسر الضحايا وجبر الضرر الذي نتج عن فقدان تلك الأسر لأربابها وأبنائها   . حادث الطائرة (الداكوتا) التي كانت متجهة يوم الاثنين 30 ابريل من عتق إلى مطار بحران في محافظة حضرموت لا زال حتى اليوم رغم مرور كل هذه السنوات  يكتنفه الغموض فهناك العديد من الأسئلة وكثير من علامات الاستفهام تدور حوله وتنتظر الإجابة .  هل هو حادث عرضي أو انه حادث مدبر . حتى الدبلوماسيون والمشاركون في المؤتمر الذين كانوا على متن الطائرة الثانية (الانتينوف) و لايزالون أحياء إلى اليوم ، لم يدلوا بشهاداتهم الكاملة للتاريخ والإفصاح عن ما لديهم من معلومات والبعض منهم يرفض التحدث في هذا الموضوع اطلاقاً .

* مؤتمر الدبلوماسيين لماذا ؟!!

مابين 15 و22 ابريل 1973م عقد المؤتمر الأول للدبلوماسيين بمدينة الشعب بعدن ، وتقول وثائق المؤتمر : عقد المؤتمر إنطلاقاً من المبادئ والأهداف الأساسية للسياسية في برنامج مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية ومقررات المؤتمر العام الخامس للتنظيم السياسي الجبهة القومية وحرصاً على تطوير فعالية ونشاط وزارة الخارجية بما يواكب المنجزات الثورية على الصعيد الداخلي .. إذن عقد المؤتمر كان بقرار سياسي ثوري لأجل ربط  أعضاء البعثات الخارجية بما يدور بالداخل خاصة الانجازات الثورية مثل مصادرة الأراضي وإقامة مزارع الدولة والتعاونيات والمشاريع الأخرى ! مع العلم أن معظم السفراء شخصيات لها وزنها الكبير في تأسيس الجبهة القومية وبعضهم كانوا وزراء ووكلاء وزارات ومحافظين بعد الاستقلال ونتيجة لخلافهم في الرأي والموقف مع رموز السلطة الجديدة جرّدوا من مناصبهم و أرسلوا إلى سفاراتنا في الخارج للعمل فيها  . وفي المؤتمر العام الخامس (مارس 1972م) تم الإفصاح عن نهج التنظيم والدولة وهو استمرار الفعل الثوري الديمقراطي ، إذن هدف المؤتمر كان واضح ، وهو  إحداث تغيير ثوري (...) في وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية مع العلم أن مؤتمرات من هذا النوع قد عقدت لشتى القطاعات ، المؤتمر التربوي ، مؤتمر التعاونيات والفلاحين ، الرياضيين ، الطلاب الشباب ، الشرطة والجيش ..... الخ .

* أهم ما جاء في قرارات وتوصيات المؤتمر الأول للدبلوماسيين . 

قال لي احد الذين شاركوا في المؤتمر إن مشروع قرارات وتوصيات المؤتمر الأول للدبلوماسيين قوبل بجدل كبير واستهجان واضح من قبل معظم المؤتمرون .. ومن المفارقات العجيبة في قرارات وتوصيات المؤتمر أن المؤتمرين طالبوا الجهات المختصة في الدولة بتطهير أنفسهم ، كما ورد بالنص في التوصية رقم (4) : "يوصي المؤتمر بعد أن ناقش مجمل السلبيات السياسية بأن تقوم  الجهات المختصة في الدولة بتطهير وزارة الخارجية بديوانها وبعثاتها من تلك العناصر التي تتخذ من الوظيفة الدبلوماسية وسيلة للاسترخاء والانتفاع نظراً لقصورها السياسي وعجزها الإداري ولعدم استيعابها وترجمتها للتطورات الثورية .. أو التي لا تعمل من اجل المصلحة العليا للجماهير اليمنية الفقيرة " . اما التوصية رقم (8) تقول : "بعد أن تكشّفت الأمور عن الضعف في العمل السياسي بين موظفي وزارة الخارجية (الديوان والبعثات ) يؤكد المؤتمر على ضرورة تطعيم الوزارة تمتلك القدرة السياسية ، على أن يبث قي ذلك سريعاً ." المقصود هنا ضعف النشاط التنظيمي (الحزبي) باعتبار أن كادر وزارة الخارجية كان من السياسيين المخضرمين والمجربين والمؤسسين للعمل السياسي والنضالي  , والبث السريع هو أن تحل العناصر الجديدة محل تلك القامات السياسية المعروفة , وهذا ما أكدته التوصية رقم (12) التي نصت على ضرورة إيجاد علاقة متينة وايجابية بين وزارة الخارجية ودائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية لتنظيم الجبهة القومية . وهو يعني تبعية الوزارة للدائرة من حيث رسم السياسة الخارجية  أو اختيار الكادر البشري ومراقبة نشاطهم .
كما أوصى المؤتمر بتشكيل مجلس أعلى لوزارة الخارجية ، من وزير الخارجية وسكرتير دائرة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية لتنظيم الجبهة القومية ووكيل وزارة الخارجية وبعض رؤساء الدوائر والأقسام في الوزارة ، يتولى متابعة التقارير السياسية للبعثات السياسية والقنصلية ووضع القواعد الخاصة بندب الموظفين ومنحهم الألقاب .
فيما يتعلق بالمغتربين عبرت التوصيات عن عدم رضاها عن العمل السياسي بين أوساط الجاليات في الخارج ورأت إعطائه الأهمية البالغة لأنه يعد من المسائل الأساسية والمباشرة من خلال تنظيمها وتربيتها (الجاليات) بالثقافة الوطنية ورصد تحركات الثورة المضادة وسط الجاليات . وطالبت التوصيات بإتباع أساليب كفيلة في إقناع الرأسمال الوطني المغترب بالمساهمة الايجابية في تنمية البلد اقتصادياً من خلال فتح صناديق التبرعات للدولة . 

*خلاصة القول
في اعتقادي أن مهمة البعثات الدبلوماسية في الخارج كانت صعبة للغاية .. فهناك عشرات  الآلاف من المواطنين الذين نزحوا بعد الاستقلال إلى دول الجوار والبلدان العربية والأجنبية .. وقبل  شهور من المؤتمر تمت عملية تأميم ممتلكات القطاع الخاص وضربه نهائياً في الوقت الذي تطالب فيه السلطة الوليدة السفراء والبعثات الدبلوماسية بالعمل السياسي الفاعل بين الجاليات في دول المهجر لمنع انخراطهم في التكتلات السياسية في الخارج ، كان الأمر فعلاً صعب ومعقد ، ولكن هذا لا يعني أن قراراً كان قد اتخذ بتصفيتهم ، خاصة أن السلطة السياسية العليا كانت تستطيع إقالتهم بكل بساطة و أريحية ولا من شاف ولا من دري ، ولكن الغموض الذي اكتنف أسباب سقوط الطائرة أو تفجيرها فتح الباب واسعاً أمام التكهنات والتفاصيل الكثيرة والمثيرة والمملة احياناً .. فرضية تفخيخ طائرة الداكوتا ستظل قائمة إلى أن تظهر الحقيقة الكاملة والموثقة التي ستدحض كل الاجتهادات والأقاويل التي سمعناها كثيراً . 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراشن وكفة الميزان
ــــــ....ــــــ....ــــــ

** أحمد محمود السلّامي ..صحيفة الامناء 27 ابريل 2014م




  * كلمة الراشن هي من أكثر الكلمات المتداولة في عدن وهي في الأصل كلمة غير عربية معناها (حصة غذائية أو مؤنه ) تجدها بالانجليزية (Ration) وتتشابه مع كثير من لغات ذات الأصل اللاتيني . ومن المرجح أن كلمة راشن دخلت إلى  اللهجة العدنية في سنوات الحرب العالمية الثانية (1940 ـــ 1945) عندما عانت عدن شحة التموين الغذائي واختفاء الكثير من السلع بسبب توقف حركة التجارة العالمية بين الدول، وقد لجأت السلطات البريطانية في عدن إلى تـقنين عملية التموين الغذائي ببيع حصة غذائية معينة لكل أسرة شهرياً . استمر استخدام كلمة راشن وأصبحت إحدى مفردات اللهجة العدنية . 
في عام 1972م عادت كلمة (الراشن) إلى الصدارة فبعد أن أُممت مؤسسات القطاع الخاص التجارية والاقتصادي والمحلات التجارية الصغيرة بشكل عام واحتكرت الدولة عملية الاستيراد برمتها وخُفِضت رواتب الموظفين نشأت أزمات تموينية 
حادة بسبب عدم قدرت الدولة على شراء السلع من الخارج نتيجة الروتين الشديد وعدم الخبرة و افتقار خزينة الدولة إلى العملة الصعبة وكذلك رفع ضريبة الاستيراد من 1% إلى 30% مما أدى إلى هروب رأس المال المحلي إلى الخارج . على أثر هذا كله أصدرت الدولة بطاقة تموينية لكل أسرة (عبر مرافق العمل ولجان الدفاع الشعبي ) حُددِت فيها حصة معينة لكل فرد من المواد الغذائية مثل الرز والدقيق والسكر والزنجبيل وزيت الطبخ وألبان الأطفال ، عرفت باسم بطاقة الراشن .. وكانت عملية شراء المواد التموينية والخضروات تتم من خلال طوابير طويلة أطلق عليها الناس : (الكيلو) نسبة الى معيار الوزن الجديد الذي حل محل الرطل  والاوقية   . ألان انقلب الوضع ..  لا حصص ولا طوابير الكيلو ولا بطاقات تموينية !! الأسواق تعج بالمواد الغذائية الأساسية والترفيهية والعروض السلعية من مصادر وماركات متنوعة محلية وخارجية لا يدري المواطن هل هي جيدة او غير جيدة  !! لكن معظم الأسر لا تستطع شراء الراشن كل شهر !! بسبب تدني دخلها الشهري والإرتفاع  المتزايد للاسعار الذي يتم  دون حسيب أو رقيب ..  فمتى  تتعادل كفتا الميزان ؟!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ